ابن منظور

8

لسان العرب

بجليل الاخبار ، وجميل الآثار ، مضافا إلى ما فيه من آيات القرآن الكريم ، والكلام على معجزات الذكر الحكيم ، ليتحلى بترصيع 1 دررها عقده ، ويكون على مدار الآيات والاخبار والآثار والأمثال والاشعار حله وعقده ، فرأيت أبا السعادات المبارك بن محمد بن الأثير الجزري قد جاء في ذلك بالنهاية ، وجاوز في الجودة حد الغاية ، غير أنه لم يضع الكلمات في محلها ، ولا راعى زائد حروفها من أصلها ، فوضعت كلا منها في مكانه ، وأظهرته مع برهانه ، فجاء هذا الكتاب بحمد الله واضح المنهج سهل السلوك ، آمنا بمنة الله من أن يصبح مثل غيره وهو مطروح متروك . عظم نفعه بما اشتمل من العلوم عليه ، وغني بما فيه عن غيره وافتقر غيره إليه ، وجمع من اللغات والشواهد والأدلة ، ما لم يجمع مثله مثله ، لان كل واحد من هؤلاء العلماء انفرد برواية رواها ، وبكلمة سمعها من العرب شفاها ولم يأت في كتابه بكل ما في كتاب أخيه ، ولا أقول تعاظم عن نقل ما نقله بل أقول استغنى بما فيه ، فصارت الفوائد في كتبهم مفرقة ، وسارت أنجم الفضائل في أفلاكها هذه مغربة وهذه مشرقة ، فجمعت منها في هذا الكتاب ما تفرق ، وقرنت بين ما غرب منها وبين ما شرق ، فانتظم شمل تلك الأصول كلها في هذا المجموع ، وصار هذا بمنزلة الأصل وأولئك بمنزلة الفروع ، فجاء بحمد الله وفق البغية وفوق المنية ، بديع الاتقان ، صحيح الأركان ، سليما من لفظة لو كان . حللت بوضعه ذروة الحفاظ ، وحللت بجمعه عقدة الالفاظ ، وانا مع ذلك لا أدعى فيه دعوى فأقول شافهت أو سمعت ، أو فعلت أو صنعت ، أو شددت أو رحلت ، أو نقلت عن العرب العرباء أو حملت ، فكل هذه الدعاوى لم يترك فيها الأزهري وابن سيده لقائل مقالا ، ولم يخليا فيه لاحد مجالا ، فإنهما عينا في كتابيهما عمن رويا ، وبرهنا عما حويا ، ونشرا في خطيهما ما طويا . ولعمري لقد جمعا فأوعيا ، وأتيا بالمقاصد ووفيا . وليس لي في هذا الكتاب فضيلة أمت بها ، ولا وسيلة أتمسك بسببها ، سوى أني جمعت فيه ما تفرق في تلك الكتب من العلوم ، وبسطت القول فيه ولم أشبع باليسير ، وطالب العلم منهوم . فمن وقف فيه على صواب أو زلل ، أو صحة أو خلل ، فعهدته على المصنف الأول ، وحمده وذمه لاصله الذي عليه المعول . لأنني نقلت من كل أصل مضمونه ، ولم أبدل منه شيئا ، فيقال فإنما إثمه على الذين يبدلونه ، بل أديت الأمانة في نقل الأصول بالفص ، وما تصرفت فيه بكلام غير ما فيها من النص ، فليعتد من ينقل عن كتابي هذا أنه ينقل عن هذه الأصول الخمسة ، وليغن عن الاهتداء بنجومها فقد غابت لما أطلعت شمسه . والناقل عنه يمد باعه ويطلق لسانه ، ويتنوع في نقله عنه لأنه ينقل عن خزانة . والله تعالى يشكر ما له بالهام جمعه من منة ، ويجعل بينه وبين محرفي كلمه عن مواضعه واقية وجنة . وهو المسؤول أن يعاملني فيه بالنية التي جمعته لأجلها ، فإنني لم أقصد سوى حفظ أصول هذه اللغة النبوية وضبط فضلها ، إذ عليها مدار أحكام الكتاب العزيز والسنة النبوية ، ولان العالم بغوامضها يعلم ما توافق فيه النية اللسان 2 ويخالف فيه اللسان النية ، وذلك لما رايته قد غلب ، في هذا الأوان ، من اختلاف الألسنة والألوان ، حتى لقد أصبح اللحن في الكلام يعد لحنا مردودا ، وصار النطق بالعربية من المعايب معدودا . وتنافس الناس في تصانيف الترجمانات في اللغة الأعجمية ، وتفاصحوا في غير اللغة العربية ، فجمعت هذا الكتاب في زمن أهله بغير لغته يفخرون ، وصنعته كما صنع نوح الفلك وقومه منه يسخرون ، وسميته لسان العرب ،

--> ( 1 ) نسخة بتوشيح . ( 2 ) نسخة بالعربية .